ابن الزيات
17
التشوف إلى رجال التصوف
القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري شيخ المحققين إذا جلس إليه الصوفية وعليهم الهيئات والمرقعات ينشد [ من الكامل ] : لا والّذى حجّت قريش بيته * مستقبلين الرّكن من بطحائها ما أبصرت عيني خيام قبيلة * إلّا ذكرت أحبّتى بفنائها أمّا الخيام فإنّها كخيامهم * وأرى نساء الحىّ غير نسائها ثم يقول : أما الهيئات والمرقعات فمعروفة ، وأما القلوب فمنكرة . وجردت هذا الكتاب من علوم التصوف واقتصرت على إيراد أخبار الرجال . فإن « إحياء علوم الدين » للإمام أبى حامد محمد بن محمد بن محمد الطوسي الغزالي ، صلى اللّه عليه وسلم ، هو المنتهى في ذلك ، وقد ذكرت من فضائل الإحياء ففي أثناء ذكر الرجال الأكابر ما ستقف عليه إن شاء اللّه تعالى . وما طعن عليه إلا علماء الدنيا الذين أظهر عوارهم ، والنهار لا يحتاج إلى دليل . فمن أحواله السنية ما حدثنيه شيخنا أبو القاسم أحمد بن يزيد قراءة عليه ، حدثني الشيخ الأجل الفقيه العلامة الأوحد أبو بكر بن طفيل رضي اللّه عنه ، حدثني رجل صالح ، من عقب ابن عباد يكنى بأبى الحسن ، كان نزل بمراكش حرسها اللّه ، وكان طبيبا ، وتنسك في آخر عمره ، فكان يعيش من عمل الأمشاط ، عن الحاج المعروف بالبغدادى من بنى جموح من أهل فاس أنه حدث ، بعد انصرافه عن رحلته المتصلة في بلاد المشرق ومقامه ببغداد لطلب العلم وصحبة الفقيه أحمد أخي الفقيه الأوحد أبى حامد الغزالي ، رحمه اللّه تعالى ، قال : كان الشيخ الإمام أبو حامد ، رحمه اللّه ، في آخر عمره قد غلب عليه التبتل واستصحاب أحوال المشاهدة وكان يأوى إلى موضع ، على مسافة أميال من بغداد ، ينفرد فيه إلى العبادة وكان يخدمه رجل من أهل الفضل والإرادة ويتكفل له بضروراته إلى أن قضى نحبه . وظهر له عند ذلك من الكرامات ما أعرب عن علو منصبه في مقامات الأولياء . فمما وصفه الحاج المذكور من ذلك أن قال : كنت ملازما للحضور بحلقة أخيه لسماع العلم مياومة . وكان في بعض الأيام يلم به الرجل الذي كان يخدمه ، أعنى أبا حامد ، رضي اللّه عنه قال : فبينما نحن في بعض الأيام جلوس عنده إذ دخل عليه الرجل المذكور ،